السيد محمد حسين فضل الله
56
من وحي القرآن
التي تثيرونها حول مواقعهم ، كما أنكم لا تملكون موقع الحكم عليهم ، إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ ليواجهوا النتيجة الحاسمة لموقفهم ، فهو العالم بخفايا الناس بما تختزنه من صدق الإيمان ، وجدّية المواقف ، وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ في طريقتكم في التحدّي ، وأسلوبكم في التقييم والحكم على الواقع . وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ فهم عباد اللَّه الذين آمنوا برسالته ، وجاهدوا في سبيل ذلك ، فاستطاعوا الحصول بجهادهم على محبة اللَّه ورضاه ، كمظهر من مظاهر القرب منه فكيف أطردهم ، وهم أحباء اللَّه ، وأولياؤه ، وهل تنصرونني من اللَّه ، إن أنا طردتهم تحت تأثير إلحاحكم عليّ في ذلك ؟ إنّ اللَّه يعاقبني على هذا الموقف ، لأنه لا يرضى من رسله الإساءة إلى عباده المؤمنين ، بل يريد لهم أن يقوموا بنصرتهم ورعايتهم وحمايتهم من كل عدوّ أو حاقد . أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ، وتعرفون مواقع الأمور في مواردها ومصادرها ، ونتائجها الإيجابية والسلبيّة . وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ لأدعوكم إلى الإيمان من خلال التأثير النفسي المعنوي أو المادي ، الذي يضغط على أفكاركم ، لتؤمنوا بي ، وعلى مواقفكم لتسيروا معي ، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ لأجعل من ذلك أساسا للدخول إلى قناعاتكم من خلال ما يمثّله ذاك العلم من قوّة ذاتية أمام الآخرين ، لاتصاله بالعوالم الغيبية التي تجعله محيطا بخفايا الحاضر والمستقبل وبما تضمره ، النفوس ، أو في ما تشتمل عليه قضايا الواقع ، فليس من مهمة الرسول أن يكشف للناس الخفايا من خلال النبوءات ، بل كل مهمته كشف الواقع من خلال الخطط والأعمال ، وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ لأجاريكم في اعتقادكم : بفكرة المنافاة بين البشرية والرسالة ، وضرورة أن يكون النبيّ ملكا من الملائكة